الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

135

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمعنى لا تصلّوا في حال الجنابة حتّى تغتسلوا إلخ . والمقصود من قوله : وَلا جُنُباً التمهيد للتخلّص إلى شرع التّيمّم ، فإنّ حكم غسل الجنابة مقرّر من قبل ، فذكره هنا إدماج . والتيمّم شرع في غزوة المريسيع على الصحيح ، وكانت سنة ستّ أو سنة خمس على الأصحّ . وظاهر حديث مالك عن عائشة أنّ الآية التي نزلت في غزوة المريسيع هي آية التيمّم ، فيظهر أن تكون هذه الآية التي في سورة النساء لأنّها لم يذكر منها إلّا التيمّم . ووقع في حديث عمرو عن عائشة أنّ الآية التي نزلت هي قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ التي في سورة المائدة [ 6 ] ، أخرجه البخاري وقد جزم القرطبي بأنّ الآية التي نزلت في غزوة المريسيع هي آية سورة النساء ، قال : لأنّ آية سورة المائدة تسمّى آية الوضوء . وكذلك الواحدي أورد في أسباب النزول حديث عائشة في سبب نزول آية سورة النساء . وقال ابن العربي « هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لا نعلم أيّ الآيتين عنت عائشة » . وسورة المائدة قيل : نزلت قبل سورة النساء ، وقيل بعدها ، والخطب سهل ، والأصحّ أنّ سورة النساء نزلت قبل سورة المائدة . والاستثناء في قوله : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ استثناء من عموم الأحوال المستفاد من وقوع ( جُنُباً ) ، وهو حال نكرة ، في سياق النفي . وعابر السبيل ، في كلام العرب : المسافر حين سيره في سفره ، مشتقّ من العبر وهو القطع والاجتياز ، يقال : عبر النهر وعبر الطريق . ومن العلماء من فسّر عابِرِي سَبِيلٍ بمارّين في طريق ، وقال : المراد منه طريق المسجد ، بناء على تفسير الصلاة في قوله : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ بالمسجد ، وجعلوا الآية رخصة في مرور الجنب في المسجد إذا كان قصده المرور لا المكث ، قاله الذين تأوّلوا الصلاة بالمسجد . ونسب أيضا إلى أنس بن مالك ، وأبي عبيدة ، وابن المسيّب ، والضحّاك ، وعطاء ، ومجاهد ، ومسروق ، والنخعي ، وزيد بن أسلم ، وعمرو بن دينار ، وعكرمة ، وابن شهاب ، وقتادة ، قالوا : كان ذلك أيام كان لكثير من المهاجرين والأنصار أبواب دور في المسجد ، ثم نسخ ذلك بعد سدّ الأبواب كلّها إلّا خوخة أبي بكر ، فكان المرور كذلك رخصة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ولأبي بكر ، وفي رواية ولعلي ، وقيل : أبقيت خوخة بنت عليّ في المسجد ، ولم يصحّ . وفائدة هذا الاستثناء - عند من فسّر تَقْرَبُوا الصَّلاةَ بدخول المسجد ، وفسّر عابِرِي سَبِيلٍ بالمارّين في المسجد - ظاهرة ، وهو استثناء حقيقي من عموم أحوال الجنب باستثناء عابري السبيل . وعابر السبيل المأخوذ من الاستثناء مطلق ، وهو عند